بوسى.. لمدة ساعات
بدا يوماً رتيباً وعادياً.. كأنه لن يحمل أية أحداث جديدة أو غريبة، هذا ما تصورته على الأقل فى الساعات الأولى منه. سحابة إكتئاب تقف فوق رأسى وبوادر غير طيبة لبرد صيفى - وما أدراكم ما برد الصيف - كما تنتظرنى ساعات عمل مشحونة
كنا فى المكتب والكل منهمك فى عمله إلى أن كسرت زميلتنا الصمت بجملة تكاد تقولها كل يوم "أنا عايزة أشرب نسكافيه، أنا هنزل أجيب لبن" نزلت لتشترى ما تحتاج وأنا لا أزل تحت تأثير الملل. مرت دقائق قليلة لتدخل علينا.. وعلى ذراعها الأيسر.....ه
على ذراعها الأيسر قطة.. قطة صغيرة وضعيفة تشبك فى ملابسها وتتشبس بها بينما تبرر زميلتى وجود تلك القطة بأنها ظلت "تنونو" لها، وشبكت فى ملابسها ولما حاولت أن تبعدها لم تبتعد وتشبست فى ذراعها، ولم تشأ هى أن تتركها، فهى قطة أهلكها الضعف وأنهكها الجوع على ما يبدو
أنا أخاف من القطط وكل الحيوانات ولا أجرؤ على حمل أى منها، لذلك كنت أحدث زميلتى وبينى وبين قطتها مسافة كافية. لا أعرف لماذا تعاطفت معها ومع تلك القطة المسكينة رغم أنها كما نقول دائما أنها قطة شوارع وأنها قد تنقل مرضاً ما لا قدر الله. ولكن زميلتى لم تتوقف لتحسب وتفكر وتقرر.. كان رد فعل بسيط وتلقائى تجاه قطة تشبست بها، أعترف أن مظهر القطة مثير للشفقة، فهى قطة عدمانة وصدمانة، هزيلة وصوتها فى "النونوة" غريب.. فبرغم هزالها إلا أن نبرة صوتها الحادة مثيرة للعصبية وإصرارها على الصراخ أو "النونوة" كلما بعدت عنها زميلتى كان أمرا مستفزاً حقاً
سألتنى أن أسكب للقطة قدراً من اللبن الذى اشترته فى طبق، واقتربت القطة من الطبق لتتناول طعاماً لم تذقه فى حياتها.. لبن منزوع الدسم ومبستر فى معامل ألبان كبيرة لشركات عملاقة فى هذا المجال. لا تعرف القطة هذا، لا تعرف غير هذا الرزق الذى سيق إليها لتنهل منه بعد جوع وتستغرق فى شرب اللبن أو لعقه بلسانها متناسية العالم من حولها، فما قيمة العالم الأن
صوت القطة المزعج والذى ينذر بفضيحة مدوية إذا اكتشف الجميع وجودها و"تريقة" على مدار شهرين قادمين إحتفالا بتلك القطة اللقيطة جعلا زميلتى تحار فى كيفية إخفاءها وبحثنا عن صندوق لنضعها فيه وقبل ذلك قررت أن تقوم بتنظيف القطة، وبالفعل دخلت معركة شرسة بوضع القطة فى الحوض وغسلها أو تنظيفها بالصابون والماء الجار. وأتمت المهمة بنجاح رغم ظهور "حاجات غريبة كانت بتمشى" . لكن مظهر القطة بعد ذلك كان جميلاً ورقيقاً فها هو اللون الأبيض الحقيقى يعود للظهور نظيفاَ مشرقاً ومتألق. ثم قامت بوضع القطة فى شمس الشرفة لتجف. وقد قررت أن تصحبها معها لبيتها وتصبح مسئولة عن تربيتها والعناية بها. وأطلقت عليها "بوسى"ه
كل ما كان يدور بخلدى حينها هذه الروح التى تتمتع بها زميلتى. الإهتمام بالآخرين، حتى لو كانت قطة ينظر لها الجميع شذراً غير مكترثين "بنونواتها". تذكرت قصة الرجل الذى سقى كلبا عطش فأصبح مصيره إلى جنات ربى التى هى مأوى القلوب الرحيمة
بعد حين، أعلنت زميلتى ترددها فى إصطحاب القطة للمنزل ليس خوفاً من الأمراض ولكن لخوفها من تحمل مسئوليتها وهى التى تقضى فى عملها وقتاً أكبر من الذى تقضيه فى بيتها. كيف تعتنى بقطة وهى بالكاد تتحمل مسئولية نفسها . أشفقت عليها من تلك المسئولية فأهل مكة أدرى بشعابها، وهى التى تستطيع أن تقدر ما إذا كانت تستطيع الإهتمام بها أو لا، فلا تغنى أبداً النية الطيبة عن الإستعداد الجيد. وبالفعل أخذنا القطة فى صندوقها ونزلنا "لنسربها" فى أحد الحدائق... نتركها للشارع مرة أخرى.. لها رب إسمه الكريم
كانت ترغب فى الإحتفاظ بها ولكن.. يا صديقتى العزيزة، حسبك أنك أطعمتها ونظفتها وأدركتى حجم مسئولية الإهتمام بنفس صغيرة وتراجعتى عن ذلك خوفاً عليها.. واطمئنى فلم يلتزم الرجل الذى سقى الكلب بأخذه والعناية به.. فهذا يعود للظروف المحيطة، كما أن القطة التى أوقعها ربها فى فرصة لقاء أمثالك كفيل بالعناية بها
داعبتنى عدة أفكار.. استفزنى بعضها وأحرجنى البعض الآخر فمثلا
... لقد تأثرنا كثيراً بحال قطة الشارع -
ولم لا نتأثر ولو قليلا بأطفال الشوراع؟
قضت القطة لحظات من الراحة والنعيم وحرمت منها مرة أخرى -
ومن أدراكى؟ قد تكون حياة الشارع أوقع وأهم عندها؟؟
أين أم القطة وأبوها، لم يتركوها فى وحدتها -
قطط الشوارع لا تعرف روح الأسرة، فالشوارع هى الأب وهى الأم وهى الملجأ
-:لقطات
تدخل تتشبس بذراعها القطة ويدها تحنو على رأس القطة -
القطة تتسابق مع نفسها فى إلتهام طعامها المبستر -
الصندوق المفتوح تركناه فى الحديقة و القطة نائمة بالداخل إستكمالاً لسويعات الراحة -
وبعد، لقد كان يوماً سأتذكره ما حييت.. فمن رحم الأيام المملة تتولد الأحداث التى تترك بصمتها فى القلب بغير عناء




















10 تعليقات:
والله موضوع اطفال الشوراع اثرناه فى رساله اكثر من مره وهناك كانت عده جهود ممتازه
يابخت القطة
أخيرا حد رد علق على الموضوع ده
دا كنت قربت اكتئب، عشان انا الموضوع كان مأثر فيا اوى
littlemo
منور كالعادة يا محمد، بس هو "هناك" فين يعنى؟
anonymous
مش كده بردو
بغض النظر عن إن دي ممكن الناهس تعتبرها أحاسيس بنات ...
بس أنا فعلا تأثرت بالقصة خاصة إن في حتت كان التعبير عالي لدرجة تجسيد المشهد .
" الصندوق المفتوح تركناه فى الحديقة و القطة نائمة بالداخل إستكمالاً لسويعات الراحة... "
على الرغم من أن العالم الذكوري ممكن يبص لمواقف مشابهه على إنها كلام فاضي إلا إني سأعلنها صراحة مدوية :
ما لكوش حق يا جماعة كنتو خدتوها البيت وأي حد ياحد بالو منها ويراعيها مش كده ولا إيه ..
لكن مش هقول أكتر من أن الموضووع أكتر من روعة :)
mando
أهلا بيكى فى بنت مصرية نورتيناااا
ميرسى على تعاطفك مع القطة واحساسك بالقصة
وانا بحترم جدا وجهة نظرك، بس اذا كانت ظروف زميلتنا تمنعها من الإعتناء بالقطة، وبصراحة انا كمان بخاف اجى جمب القطط يبقى اربيها ازاى
تفتكرى كان ممكن نعمل ايه
طب انتى عارفة انا قلت لها نشوف جمعية رفق بالحيوان كده ولل ااى حاجة، بس احنا مانعرفش للأسف
دا اللى كان قصادنا نعمله
إحمم في تصحيح أحب أقوله إلى أستاذتنا بنت مصريه في خطأ إملائي في السطور بتاعت ردك كالآتي:
السطر 1و 8و 9
التصحيح :
أهلا بيك فى بنت مصرية نورتناااا
تفتكر كان ممكن نعمل ايه
طب انت عارف انا قلت ...
يبدو إن التعاطف في الحاجات دي مش مسموح بيها لينا زي البنات عشان كده يا أفندم حضرتك إعتقدتي إني أكيد لازم أكون مصحوبا بتاء التأنيث طالما حسيت بالتعاطف مع قطة !!!
على العموم حصل خير ويمكن أنا اللي ردي ماكنش واضح فيه الموديل بتاعي :)
وعلى فكرة أنا دايما بزور البلوج و بصراحة حاجة في منتهى الروعة وعايز أشكرك على المجهودات الرائعة اللي فيه.
بس دي كانت أول مرة أضيف تعليق على مواضيعك بس الحمدلله ردك (شلفطني) إتعورت من أولها :)
يا خبر يا ماندو
انا لما جيت أرد أعدت القراءة عشان أعرف انت ولد وللا بنت
بس كلامك عن احاسيس البنات والعالم الذكورى مخلاش عندى شك انك بنت
معلش يا فندم
انت عارف انا عمرى ما شكيت فى تعاطف الأولد ناحية المواضيع دى، لأنهم بشر فى النهاية
:)
وانا سعيدة جدا جدا انك بتزور البلوج باستمرار ويا ريت تتبعنا بتعليقاتك باستمرار كمان
وكمان يا ريت نشوفك قريب زميل مدون جمبنا
:)))
رائعة بل واكثر من رائئعة
حسيت وانا بقرأ باللحظاتو بالحر و الملل اللي انت عايشاه
وسمعت صوت القطة وهي داخلة المكتبو الحيرة اللي كنتم فيها و انتم بتسربوها في الجنينة
خير
جزاكم الله خيرا
ومحدش عارف الخير فين
سلام عليكم
ياسلام بقي كل دة علشان القطة
عارفة انا لو من صاحبتك ولاكنت عبرتها
مش غلاسة يعني ولكن لأني بصراحة اكتر حاجة بكرهها في حياتي هي القطط
لدرجة اني بتمني ان ربنا ياخدهم كلهم واستريح من منظرهم وشكلهم وصوتهم الغبي
معلش لوكان ردي قاسي شوية بس دة رأي في القطط
ازفت حاجة في الدنيا كلها
القطة لقت اللى يلمها طب وكلاب الشوارهتعمل اية ؟هههههههههههههه
انا شايف فى القصة دى حاجة غريبة رغم ان دى قطة صغيرة وضعيفة لكنها اسطتاعت ان ترفع صوتها احتجاجا على الجوع لكن الناس فى بلدنا الغالى ملتزمين بالصمت رغم انهم يعانون نفس الاحتياج والظروف........نورالمصرى
http\\nourelmisry.blogssbot.com
Post a Comment